حيدر حب الله
36
دروس تمهيدية في تاريخ علم الرجال عند الإمامية
اشترط في التواتر الكثرةَ العددية من دون اشتراط عددٍ محدّد يحصل به التواتر ، إنما المعيار عنده هو أن توصل هذه الكثرة إلى اليقين بهذه القضية ، وحصول هذا اليقين تؤثّر فيه عوامل موضوعيّة من أهمّها : نوعية الشهود من حيث الوثاقة والنباهة ، وهذا ما تكفّل به علم الرجال ؛ فقد ينقل الخبرَ عشرون راوياً كلّهم ثقات ممدوحون ، فحصول اليقين بهذا النقل أسرع مما لو نقله عشرون راوياً فيهم كشكول من الثقات والمجاهيل والضعاف . إذن ، علم الرجال يلعب دوراً في تسريع عملية حصول اليقين بالخبر المتواتر وتحديد درجة ذلك « 1 » . وكذلك الحال في الخبر المحفوف بقرائن القطع ، فإنّه إذا ثبت كذب هذا الراوي في جملةٍ من رواياته ، صارت قرائن القطع معارَضةً بقرائن كذبه ودسّه ، الأمر الذي يخفّض من قدرة قرائن القطع على بعث اليقين بهذا الخبر الآحاديّ . الاتجاه الثاني : حجية الخبر الموثوق ، والمدار في قبول الخبر عند أنصار هذا الاتجاه هو الاطمئنان والوثوق بصدوره ، فضلًا عمّا لو حصل اليقين الجازم المنطقي ، فإذا حصل للباحث وثوقٌ بصدوره جاز له العمل به ، مع غضّ النظر عن وثاقة الراوي وعدم وثاقته ، أمّا إذا لم يحصل عنده هذا الوثوق والاطمئنان تركه ، حتى لو كان رواته ممن وثّقهم الرجاليون ، ويتمّ هذا الوثوق عبر جمع القرائن الموصلة له « 2 » . ويبدو لنا أنّ أنصار الاتجاه الأوّل يقصدون من العلم ما يشمل الاطمئنان ، فعدّ هذين الاتجاهين اثنين مسامحةٌ يُهْدَف منها التوضيح .
--> ( 1 ) انظر : عبد الله المامقاني ، مقباس الهداية 1 : 98 ؛ ومحمد باقر الصدر ، دروس في علم الأصول ، الحلقة الثانية : 277 ، والحلقة الثالثة : 153 . ( 2 ) حيدر حب الله ، نظرية السنّة في الفكر الإمامي الشيعي : 439 .